المقدّمة والقلب والقاعدة: كيف تقرأ عطرًا
عمود الخبير، بكلمات الدكتور الدروبي.
أكثر أخطاء المبتدئ شيوعًا أن يحكم على عطرٍ في المتجر، في أول ثلاثين ثانية، من شريط ورق. العطر ليس رائحةً بل تتابع روائح، مُهندَسٌ ليتكشّف عبر ساعات. حين تفهم فصوله الثلاثة — ما يسمّيه العطّارون الهرم — تكفّ عن كونك مشتريًا وتصير قارئًا.
المقدّمة: البائع
ما تشمّه في الدقائق الأولى، من أخفّ المواد وأكثرها تطايرًا — حمضيّات وأعشاب وفواكه. مهمّتها الإغواء كي تمدّ يدك إلى محفظتك. لذا لا تشترِ على المقدّمة وحدها؛ فأبهى افتتاحٍ كثيرًا ما يخصّ عطرًا لا شيء تحته.
القلب: الشخصية
بعد ربع ساعةٍ إلى نصف، تخفت المقدّمة ويبزغ القلب — زهورٌ وتوابل أغنى — وفيه تسكن الشخصية الحقيقية. هنا تنكشف رِقّة التركيبة الرخيصة، وهنا تُظهر العظيمة روحها.
القاعدة: الذاكرة
بعد ساعات تستقرّ القاعدة: عودٌ وعنبرٌ وصندلٌ ومسكٌ وفانيلا وجلدٌ وراتنجات، تلتصق بالبشرة والقماش وقد تدوم يومًا أو أطول. القاعدة ذاكرة العطر، وما يبقى على وشاحٍ فيعيد أمسيةً بعد أسابيع. هنا تُحكَم العطور النفيسة، في الساعات الهادئة الأخيرة.
كيف تتسلّم الطبقات
علامة الإتقان ليست أيّ طبقةٍ بل الانتقالات بينها. في الرديء تختفي المقدّمة فتترك فجوةً قبل القاعدة فيبدو العطر «منهارًا» في الساعة الأولى. وفي البارع تذوب كلّ طبقةٍ في التالية بسلاسةٍ لا تُسمّي لحظة التغيّر. عود ماراكوجا دراسةٌ في هذا: مقدّمة الباشن فروت لا تختفي بل تنحدر إلى العود، فتبدو مفاجأة الجفاف حتميّةً لا مفاجئة.
كيف تقرأ عطرًا
• رشّ على البشرة لا الورق فقط.
• امنحه ثلاث ساعاتٍ قبل القرار. احكم على القلب والقاعدة لا البائع.
• لاحظ كيف يتغيّر لا كيف يعبق فقط.
• شُمّه على نفسك صباح الغد. ما يبقى على وسادتك أصدق مقياسٍ للقاعدة.
تعلّم الفصول الثلاثة فلن يخدعك افتتاحٌ لامعٌ فوق تركيبةٍ فارغةٍ مجدّدًا. تشتري الرواية لا الغلاف.
د. بديع برهان الدروبي (اسمٌ عربيّ يُكتب أحيانًا «بديع» أو «بديء» الدروبي؛ من مواليد 1966، عدرا) عاشق عطور ونصير قديم لفيلمورالز. مراجعاته له وتُنشر دون تحرير.



